Skip to content Skip to footer

الازمة : حينما تكسر الباب

د.فهد بن سعيد الحارثي

خططنا لكل شيء ، حسبنا الاحتمالات والتأثير، ورتّبنا المخاطر من الأعلى إلى الأدنى، ووضعنا الضوابط والخطط ودرسنا كافة السيناريوهات ما قد يحدث، ونُقدّر ما قد يكلّف، ونبني تنبؤات أمام عواصف لم تأتِ بعد ، لكن ما حدث هو أضخم مما نتخيل ، وأسرع مما خططنا وأعمق مما أدركنا ، هي أزمة لم تطرق الباب — بل كسرتة مباشرة

بين المخاطر والأزمة: فرق في الطبيعة لا في الحجم

يُخطئ كثيرون حين يظنون أن الأزمة مجرد مخاطرة كبيرة و هذا الخطأ البسيط يُكلّف مؤسسات بأكملها استمراريتها فإدارة المخاطر تعمل في عالم الاحتمالات المسبقة وفي زمن البيانات والهدوء والاجتماعات المنسّقة ، تبني جدراناً وقائية قبل أن تأتي العاصفة، وتسأل: ما الذي قد يحدث؟

أما إدارة الأزمات فتعمل في عالم مختلف تماماً في عالم الواقع حين تسقط العاصفة الجدران والخطط معاً فهي لا تسأل ما الذي قد يحدث، بل تسأل: ماذا نفعل الآن وهو يحدث؟ أداتها القرار والقدرة والثواني ، وتُنتج أوامر لا وثائق، وتحتاج قائداً لا مديراً.

الفارق الحقيقي ليس في الحجم بل في الطبيعة: إدارة المخاطر تعتمد على التحليل العميق، وإدارة الأزمات تحتاج التكيّف السريع ولهذا السبب بالذات يفشل أحياناً أمهر القادة في إدارة أزمة واحدة لأن مهاراتهم مصمَّمة لزمن الرخاء والخطط، لا لزمن أنصاف المعلومات.

حينما يصبح اليقين وهماً

ما دفعني للكتابة — وأنا ابن بيئة وعلم إدارة المخاطر — هو يقين تشكّل من أحداث الأيام الأخيرة ، فنحن نعيش في عالم VUCA حقيقي، لا نظري.

التقلّب يعني أن المشهد يتغيّر بين الجملة التي كتبتها وتلك التي تقرأها الآن و عدم اليقين يعني أننا لا نعرف ما سيحدث بعد ساعة و التعقيد يعني أن كل قرار تتخذه يُحرّك عشرين عاملاً لا تراها والغموض يشير إلى أن المعلومات التي تصلك قد تحمل معاني متناقضة في آنٍ واحد.

لكن ما يجعل بيئةVUCA خطيرة حقاً ليس وجودها — بل الاعتقاد بأننا محصّنون منها.

علينا أن ندرك اليوم أننا لم نعد بمنأى عن المفاجآت فالخطط الجيدة قد تُقلّل من احتمالية الأزمة، لكنها لا تلغيها أبداً والمفاجأة الكبرى في تاريخ إدارة الأزمات ليست أن الأزمات وقعت رغم التخطيط بل أن أكثر المؤسسات استعداداً كانت أحياناً الأسوأ استجابةً، لأنها اعتقدت أنها أعدّت لكل شيء.

في منطقتنا اليوم، VUCA ليست نظرية تُدرَّس في القاعات او التدريب بل هي الواقع الذي نعيشه يومياً في الأخبار والقرارات والخسائر والمفاجآت التي تُعيد رسم الخرائط ونحن لا نزال أحياناً نُحدّق في خرائط قديمة، بدل أن ندفع بعلوم حديثة نحو استعداد أفضل.

الأزمة كائن حي

هذه هي الحقيقة الأصعب في فهم الأزمات: الأزمة لا تتصرف كمشكلة تنتظر حلاً بل هي كالكائن الحي، تتطور بشكل متسارع ،ما نعرفه عنها الآن سيتغير خلال دقائق و ما بدأ كحريق في مستودع يصبح خلال ساعة أزمةً بيئية وإعلامية وسياسية في آنٍ واحد وما بدأ كشائعة على وسائل التواصل يصبح قراراً حكومياً، ثم أزمة دبلوماسية.

الأزمة لا تسير في خط مستقيم بل تتشعّب وتُولّد أزمات فرعية، وتستدعي عوامل لم تكن في المشهد الأصلي والقدرة على إدارة الأزمات تعني أن فريقك يعرف كيف يُفكّر، ليس فقط ماذا يفعل وتعني أن القادة يملكون القدرة على اتخاذ القرار بسبعبن بالمئة من المعلومات — بل بأنصافها — لأن المئة بالمئة لن تأتي والأزمة لا تزال تتصاعد .

الأزمة لا تُكافئ من يعرف أكثر، بل تُكافئ من يتكيّف أسرع.

الصراع الرقمي: البُعد الذي يجب أن نستعد له

ما تكشفه الصراعات الراهنة في منطقتنا يضيف بُعداً جديداً لم تستوعبه كثير من خطط إدارة الأزمات التقليدية ، الأزمة اليوم لا تقع في ميدان واحد — بل تقع في الميدان وفي الخوارزمية الرقمية في آنٍ واحد و الصراع لا يحتاج طائرات فقط لإسقاط رواية، بل يحتاج توقيتاً جيداً لرسالة تصل قبل الإشاعة، وتُشكّل الصورة في أذهان الناس قبل أن يتولى المهمة من يُريدون ملء الفراغ بما يخدمهم والأخطر أن كثيراً من المؤسسات تتعامل مع هذا البُعد كمسألة إعلامية لا كمكوّن جوهري في إدارة الأزمة — تُفكّر في “كيف نردّ؟” بينما السؤال الأهم: “كيف نفهم ما يجري فعلاً قبل أن نتحدث؟”

التواصل في الأزمة ليس رفاهية بل شريان حيوي يُغذّي كل قرار من يتكلم أولاً يُشكّل الرواية، ومن يصمت — حتى لأسباب وجيهة — يترك الفراغ لمن يملأه بما يُريد وعلّمتنا الصراعات المعاصرة أن ساحة المعركة الأكثر تأثيراً قد تكون شاشة هاتف، وأن الضحايا قد يكونون ثقةً وسمعةً ومصداقيةً لا أرواحاً فقط ومن يُدير هذه الأزمة دون فهم عمقها الرقمي والإنساني والسياسي — يُدير نصف الأزمة في أحسن الأحوال.

ماذا نحتاج على المستوى الوطني؟

لا تكفي الخطط ولا الشهادات ولا التدريب وحدها فنحن نحتاج إلى ثلاثة أشياء:

  • أولاً: بنية تحتية حقيقية لادارة الازمات: هيكل جاهز، فريق مُعيَّن بأدوار واضحة، خطة موثّقة ومحدَّثة، غرفة عمليات مُجهَّزة. بدون هذا، الاستجابة لن تكون إدارة ازمة بل ارتجال منظَّم .
  • ثانياً: قيادة مُدرَّبة لا مُعيَّنة فقط.: ليس قائداً يعرف كل شيء، بل قائداً يُدرك أنه لن يعرف كل شيء — ومع ذلك يُقرّر ، القائد الذي ينتظر الصورة الكاملة في الأزمة كمن ينتظر توقف العاصفة ليُغلق النافذة والقدرة على القيادة في الغموض ليست موهبة فطرية بل مهارة تُبنى بالتدريب والمحاكاة والتعرض المتعمد لسيناريوهات الضغط.
  • ثالثاً: ثقافة التعلم.: المؤسسة التي لا تُجري مراجعة حقيقية بعد كل أزمة أو تمرين تدفع ثمن الأزمة مرتين: مرة حين تقع، ومرة حين تتكرر بنفس الأخطاء، قاعدة الدروس المستفادة ليست سجلاً يُحفَظ في درج ،بل هي ذاكرة المؤسسة التي تُميّز بين من تعلّم ومن لم يتعلم حين تقع الأزمة القادمة.

الخلاصة

الإنسان الذي يعرف حدود معرفته أكثر استعداداً للأزمة من الإنسان الذي يظن أنه يعرف كل شيء والمؤسسة التي تبني القدرة على إدارة ما لا تعرفه أقوى بكثير من المؤسسة التي تؤمن أن تخطيطها سيمنع كل مفاجأة.

بين المخاطر والأزمة مسافة نقيسها بالبيانات والاحتمالات لكن داخل الأزمة حين تتقلّب الأرض وتتسارع المعلومات وتتلاشى الخطط المسافة الأهم هي تلك التي بين ما نعرفه وما نُقرّره ولا يملأها إلا شيء واحد: الاستعداد الحقيقي وليس الاستعداد الورقي الذي يعيش في الوثائق بل الاستعداد الحيّ الذي يعيش في الناس والهياكل والثقافة والقرار.

لم تُفاجئنا الأزمة لأننا لم نكن نعرف فاجأتنا لأننا لم نكن مستعدين لما لا نعرفه وهذا هو الدرس الأصعب والأهم.

سجل في نشرتنا البريدية!

سجل في نشرتنا البريدية!

Leave a comment