فهد بن سعيد الحارثي
في مواصفات ISO/IEC 17021-1 و ISO/IEC 17065، لا تُطرح النزاهة بوصفها سلوكًا أخلاقيًا فرديًا يُتوقَّع من المدقق فحسب، بل تُعرَّف عمليًا كـ آلية حوكمة مؤسسية صُمِّمت لحماية قرار المنح وتعزيز ثقة السوق في الشهادات الصادرة.
وخلال الأيام الماضية، أثناء متابعتي لمحتوى مهني ثري مرتبط بمواصفة ISO/IEC 17021، استوقفني طرح ذكي استخدم مصطلح الفيروسات الأربعة للنزاهة وهو وصف مبسّط لكنه عميق، اختصر كثيرًا من سوء الفهم الشائع حول مفهوم يؤثر مباشرة على الحيادية، ذلك الفهم الذي غالبًا ما يحصر النزاهة في كونها قيمة شخصية أو سلوكًا فرديًا مرتبطًا بالمدقق فقط.
في الواقع، المفهوم أوسع وأعمق بكثير. فالحيادية والنزاهة في سياق جهات المنح ليست مسألة أخلاق أفراد، بل تصميم نظام، وبناء ضوابط، وتوزيع صلاحيات، وآليات تمنع تضارب المصالح قبل أن يؤثر على القرار، وتحمي الاستقلالية حتى تحت أقصى الضغوط. ومن هنا، يبرز مفهوم فيروسات الحيادية – أو ما يُعرف اصطلاحًا بفيروسات النزاهة – كمدخل مهني لفهم أين يمكن أن ينهار هذا النظام، حتى لو كانت النوايا حسنة.

ما هي الفايروسات الاربعة للنزاهة
- فيروس المصلحة الشخصية : عندما يرتبط قرار المنح بمكسب مالي أو مهني للمدقق أو جهة المنح، تكون النتيجة تبسيط الأحكام أو تساهلًا غير مبرر في عدم المطابقات للحفاظ على هذه المصلحة. ومن ضوابط التحكم بهذا الفيروس: فصل القرار الفني عن الاعتبارات التجارية، وتطبيق سياسات إفصاح صارمة عن تعارض المصالح.
- فيروس المراجعة الذاتية / شركة تابعة : عندما تراجع جهة المنح نظامًا شاركت في بنائه أو الاستشارة فيه (مباشرة أو عبر كيان مرتبط)، أو عند مراجعة جهة تابعة لها، ينتج عن ذلك تضارب جوهري يفقد التدقيق استقلاليته.وتشمل ضوابط التحكم الحظر الصريح وسياسات واضحة، والالتزام بفترات تبريد لا تقل عن سنتين (أو وفق تقييم درجة تضارب المصالح)، إضافة إلى تتبع علاقات الارتباط المؤسسي.
- فيروس الثقة الزائدة والتعود :نفس المدقق، نفس الجهة، نفس الافتراضات لسنوات؛ ما يؤدي إلى تطبيع الانحراف، وضعف الحس النقدي والحيادية نتيجة التعود والعلاقات الشخصية المتراكمة.ومن ضوابط التحكم: تدوير المدققين، ومراجعات النظراء، وتوسيع نطاق الأدلة.
- فيروس الترهيب والضغط التجاري :عميل كبير، عقد مهم، أو تلميح بخسارة السوق؛ ما يؤثر على حيادية القرار الفني بشكل مباشر أو غير مباشر خوفًا من فقدان أحد أهم مصادر الدخل.وهنا تبرز أهمية حوكمة استقلال قرار المنح، وتفعيل لجان نزاهة تحمي المدقق لا العميل، بحيث لا يتعرض قسم المنح لضغوط الأقسام التجارية لتحقيق أهداف مالية قصيرة المدى.
الخلاصة
إن أخطر ما يواجه النزاهة والحيادية في جهات المنح ليس نية الافراد، بل ضعف تصميم النظام الذي يفترض أن يحمي القرار من الانحراف فالتجربة أثبتت أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي عندما تغيب الضوابط، وتتداخل المصالح، وتُترك الاستقلالية رهينة للأفراد أو للضغوط التجارية.
مفهوم الفيروسات الأربعة للنزاهة يقدّم عدسة عملية لفهم كيف يمكن أن تتآكل الحيادية تدريجيًا، دون أن يشعر بها أحد، حتى تصل إلى نقطة تهدد موثوقية قرار المنح وثقة السوق بالكامل وحيثما وُجد نظام يحصّن النزاهة، وُجدت الثقة وحيثما ضعفت النزاهة، فقدت الشهادة قيمتها مهما بدا شكلها متقنًا.
يمكنك الاطلاع على مقالاتنا الاخرى من خلال موقعنا الالكتروني من خلال الضغط ( هنا )

